حق الاختيار

شاب تعدى الثلاثين من العمر …مقتدر مالياً…لم يتزوج بعد…يود أن يعيش منفصلاً عن والديه من أجل ممارسة حقه في الإستقلال..لكن والدته تصاب بحالة هستيرية كل ما يجيب سيرة. 

شابة تعدت الخامسة والعشرين من العمر وأحبت رجلاً لكن لا تستطيع أن تتزوج به لرفض أهلها له.

أخرى في سن الثامنة عشر تود أن تسلك طريقاً غير تقليدياً فيما بعد الثانوية العامة لكن والدها مصر على دخولها الجامعة وإن كرهت.

شابة في العشرين تود لبس الحجاب وأخرى تريد خلعه لكن الأهل في الحالتين يرفضون رفضاً باتاً.

رجل متزوج ومعه طفلين قرر ترك وظيفته الحكومية من أجل وظيفة في القطاع الخاص. أقسم عليه أبوه بأنه سيقاطعه إن فعل.

إمرأة في أواخر العشرينات تخطب لرجل بالكاد تعرفه..يصر أهلها على زواج سريع منعاً للقيل والقال..تكتشف بعد الزواج سوء خلقه ومعاملته لها.

أخرى متزوجة حدث ما يحدث في الكثير من الزيجات واستحالت العشرة بينها وبين زوجها لكن الأهل والأصدقاء وقفوا أمام حقها في طلب الطلاق “لأننا مش عايزين الناس تقول على بنتنا مطلقة”.

رجل في سن الخامسة والثلاثين ترك أحد الجماعات لعدم اقتناعه بهم…آخر في نفس السن بعد سنوات من البحث والقراءة والتفكير ألحد…وآخر بعد نفس عدد السنوات من البحث والقراءة والتفكير قرر أن يسلك مسلكاً أكثر تشدداً في إيمانه..الكل قاطعهم الكثير من الأهل والأصدقاء والزملاء.

إمرأة انتهت من دراسة الماجستير بتفوق جاءتها منحة لدراسة الدكتوراه في إحدى الجامعات المتميزة بأمريكا…منعها أهلها لأنها غير متزوجة وليس معها رجل.

متى يكون للشخص الحق في اختيار مصيره؟

أم أن لا حق له في ذلك مطلقاً؟

أم يأتي الحق في بعض الأشياء بعد أن يتزوج إن كان رجلاً؟ أما المرأة فلا بد دائما أن يتحكم في قرارها الأب أو الأم أو الزوج أو جميعهم معاً؟

لماذا نتعامل مع الشخص البالغ العاقل الراشد وكأنه طفل لا يعرف مصلحته؟ أما نحن…نحن الآباء…نحن الأصدقاء…نحن الجيران…نحن المجتمع…نحن نعرف مصلحتك…نحن نعرف الأصلح لك…نحن لن نقبل لك سوى ما نقبل لأنفسنا…نحن لن نقبل منك إلا أن تعيش كما نعيش وتؤمن بما نؤمن وترى كما نرى.

وكيف نوازن نحن من نعيش في مجتمعات “تقليدية” بعض الشيء أو “محافظة” بعض الشيء…لنا مجموعة من القيم نهتم بالمحافظة عليها من أهمها بر الأهل والأصدقاء واحترام الكبير…كيف لنا أن نوازن ما بين احتياجنا للاستقلال..احتياجنا لأن نعيش حياتنا نحن كما نرى أنه الأصلح لنا…وفي نفس الوقت نستمر في برنا واحترامنا لمن يهمونا ونحبهم؟

يبدأ الأمر بلا شك عند الأهل…فلا سيطرة لأي منا على مجتمع بأكمله.

لا بد أن نقر نحن كأهل أننا عشنا حياتنا على طريقتنا. حتى لو عشنا حياتنا كما قرر لنا أهلنا…فقد كان قرارنا في تلك الحالة أن نقبل قراراتهم تلك.  فأليس لأولادنا نحن الحق في أن يعيشوا حياتهم كما يرغبون؟ في أي سن نعتبر أن الإبن أو الإبنة وصلوا لدرجة كافية من النضج لمعرفة مصلحتهم أو حتى لأن يخطأوا أخطاءهم بحرية؟ متى نعطيهم حق تحمل مسئوليتهم؟

وهل نحن كأبناء لم نعط لأهلنا سبباً لأن يثقوا في قدرتنا على التفكير بشكل مستقل؟ هل استمرينا في الاعتماد على الأهل في الصرف علينا أو في أن يؤكلونا ويشربونا ويغسلوا ملابسنا وينظفوا غرفنا حتى بعد ما وصلنا لسن الثلاثين؟ هل نتصرف بطفولية معهم فيتصرفون معنا وكأننا أطفال؟

نصيحتي للآباء وللأمهات…دعوا لأولادكم من الصغر مساحة من الحرية…تكبر كل ما كبروا حتى إذا ما وصلوا لسن النضج وتحملوا مسئولياتهم بأنفسهم تركناهم ليتخذوا قراراتهم لأنفسهم دون ضغوط منا. دعوهم يخطأوا حتى يتعلموا من أخطائهم. صحيح احن أخطأنا…وتعلمنا دروسا من أخطائنا…ولا نرغب سوى أن نحمي أولادنا من تكرار نفس تلك الأخطاء وغيرها…إلا أن الشباب والفتيات لن يتعلموا من أخطائنا نحن كما سيتعلمون من أخطائهم هم…انصحوهم وأرشدوهم لكن لا تقيدوهم. أحبوهم دون شروط ودون قيود. واجعلوا دليل حبكم لهم هو إطلاق سراحهم وإعطاؤهم حريتهم وإستقلالهم.

أما نصيحتي للأبناء الذين وصلوا لسن الرشد…فهي أن تتحمل المسئولية حتى يثق فيك أهلك. حتلاقي نفسك وصلت لسن أنك مش قابل على نفسك أنك تستأذنهم في كل صغيرة. استرجل شوية واستجدعي حبة. مش لازم نقل أدبنا مع الأهل حتى نستقل بذاتنا ويحترموا قراراتنا. في بعض الأحيان وارد حنضطر نزعل الأهل منا حبة عشان نقدر نعمل اللي شايفينه صح. ساعات حنضطر نتخذ القرار ونطبقه من غير ما نقولهم ويتحطوا قدام الأمر الواقع…نتحمل منهم زعلهم…نبوس راسهم من فوق ونستسمحهم…ونعيش كما نريد. أي قرار له عواقب لا بد أن نتحملها…وقد يكون أحد العواقب هو زعل الأهل أو الأصدقاء منا. وازن ما بين الأمرين: ما هو الأهم والأصلح بالنسبة لك؟ أن تسلك مسلكاً ربما دون موافقة الأهل أم أن ترضيهم على حسابك؟ هل هناك طريقة أن تسلك المسلك برضاهم؟

في النهاية لازم تفهم: أنت لما تقرر أنك تعيش حياتك حسب رغبة أهلك فده قرار. ده قرارك أنت. ما تلومش على الأهل أنك أنت اللي مشيت وراء رغباتهم غصباً عنك. أهلك لا هم لهم سوى حمايتك. قد ترى أنت أن مصلحتك في حاجة ثانية غير اللي هم شايفينه. يا إما تقرر أنك تشوف مصلحتك كما تحب أو أنك تعيش كما يود لك الغير أو أنك تمسك الحبل من النصف بطريقة ما…في النهاية كله قرار. قرارك أنت. افهم ده كويس أوي ولا تلومن إلا نفسك.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s